ابن أبي أصيبعة

346

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

مثوبتي منه هذه الدعوى التي لا يسمع بها أحد إلا قذف من خرجه ونوه باسمه وأطلق لسانه بمثل ما أطلقه به ولمثل ما خرج إليه هذه السفلة كانت الأعاجم تمنع جميع الناس من الانتقال عن صناعات آبائهم وتحظر ذلك غاية الخطر والله المستعان يوحنا بن ماسويه كان طبيبا ذكيا فاضلا خبيرا بصناعة الطب وله كلام حسن وتصانيف مشهورة وكان مبجلا حظيا عند الخلفاء والملوك قال إسحق بن علي الرهاوي في كتاب أدب الطبيب عن عيسى بن ماسه الطبيب قال أخبرني أبو زكريا يوحنا بن ماسويه أنه اكتسب من صناعة الطب ألف ألف درهم وعاش بعد قوله هذا ثلاث سنين أخر وكان الواثق مشغوفا ضنينا به فشرب يوما عنده فسقاه الساقي شرابا غير صاف ولا لذيذ على ما جرت به العادة وهذا من عادة السقاة إذا قصر في برهم فلما شرب القدح الأول قال يا أمير المؤمنين أما المذاقات فقد عرفتها واعتدتها ومذاقة هذا الشراب فخارجة عن طبع المذاقات كلها فوجد أمير المؤمنين على السقاة وقال يسقون أطبائي وفي مجلسي مثل هذا الشراب وأمر ليوحنا بهذا السبب وفي ذلك الوقت بمائة ألف درهم ودعا بسمانة الخادم فقال له احمل إليه المال الساعة فلما كان وقت العصر سأل سمانة هل حمل مال الطبيب أم لا فقال لا بعد فقال يحمل إليه مائتا ألف درهم الساعة فلما صلوا العشاء سأل عن حمل المال فقيل له لم يحمل بعد فدعا بسمانة وقال احمل إليه ثلاثمائة ألف درهم فقال سمانة لخازن بيت المال احملوا مال يوحنا وإلا لم يبق في بيت المال شيء فحمل إليه من ساعته وقال سليمان بن حسان كان يوحنا بن ماسويه مسيحي المذهب سريانيا قلده الرشيد ترجمة الكتب القديمة مما وجد بأنقره وعمورية وسائر بلاد الروم حين سباها المسلمون ووضعه أمينا على الترجمة وخدم هارون والأمين والمأمون وبقي على ذلك إلى أيام المتوكل قال وكانت ملوك بني هاشم لا يتناولون شيئا من أطعمتهم إلا بحضرته وكان يقف على رؤوسهم ومعه البراني بالجوارشنات الهاضمة المسخنة الطابخة المقوية للحرارة الغريزية في الشتاء وفي الصيف بالأشربة الباردة والجوارشنات وقال ابن النديم البغدادي الكاتب إن يوحنا بن ماسويه خدم بصناعة الطب المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل